اجتماع الطاولة المستديرة لكايسيد: الهجرة والتماسك الاجتماعي والحوار بين أتباع الأديان والثقافات في موريتانيا | نواكشوط | مايو 2026
لا تقتصر قضية الهجرة في موريتانيا على حركة العبور والتدفق عبر الحدود فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً حيوية تتعلق بالثقة المتبادلة، والنظرة المجتمعية السائدة، والعلاقات بين المكونات السكانية، فضلاً عن مدى قدرة المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني على دعم إدماج الوافدين دون إغفال الضغوط المحلية المتزايدة.
وشكل هذا المحور القضية المركزية التي ركزت عليها نقاشات مائدة مستديرة خُصصت لبحث قضايا الهجرة والتماسك الاجتماعي والحوار بين أتباع الأديان والثقافات، والتي احتضنتها العاصمة نواكشوط في 24 مايو 2026، وذلك في إطار بعثة الرصد والتقييم لبرنامج "مشاريع حوارية"التي أدارها مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار (كايسيد) في موريتانيا.
وضم اجتماع الطاولة المستديرة كوكبة من شركاء برنامج "مشاريع حوارية"، وممثلي منظمات المجتمع المدني الموريتاني العاملة في شؤون الهجرة واللاجئين، إلى جانب قيادات دينية وإعلاميين بارزين؛ وكان من بين المشاركين الأستاذ إبراهيم بلال رمضان، رئيس مجلس التوجيه والمتابعة للهيئة الوطنية لمحاربة الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين. وتركزت المداولات على التحديات الاجتماعية والثقافية التي تواجه مجتمعات المهاجرين، ولا سيما فئات الأطفال والشباب والنساء القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، وبحث سبل توظيف آليات الحوار في تعزيز قيم الإدماج، والتعايش السلمي، والتفاهم المشترك.

وتشكل موريتانيا نموذجاً فريداً وسياقاً متميزاً لممارسة الحوار؛ إذ يزخر هذا البلد بتنوع عرقي ولغوي وثقافي واسع، تلم شمله هوية إسلامية جامعة، ولطالما عُرف بتقاليده الراسخة في التعاون والتكافل والتآزر المجتمعي. وساهمت هذه القيم الاجتماعية الأصيلة في تمكين المكونات السكانية من مواجهة التحديات المشتركة، وشكلت ركيزة أساسية لدعم قيم الإدماج والتعايش السلمي. ومع التحول المستمر الذي تشهده موريتانيا كبلد عبور واستقرار للمهاجرين واللاجئين، تبرز هذه الموروثات كأرضية خصبة لتفعيل لغة الحوار، وتوثيق الصلات بين المجتمع المضيف وجاليات المهاجرين، فضلاً عن إسناد المبادرات المحلية الرامية إلى مواكبة الديناميكيات الاجتماعية المستجدة.

الهجرة والتماسك الاجتماعي
ناقش المشاركون واقع الهجرة في موريتانيا، ولا سيما وجود مجتمعات المهاجرين واللاجئين المنحدرين من دول الجوار ومناطق أخرى في إفريقيا جنوب الصحراء. وثمن الحاضرون الجهود المبذولة لدعم تسوية الأوضاع القانونية والإدماج، مشيرين في الوقت ذاته إلى التحديات التي تكتنف إدارة ملف الهجرة في ظل شح الموارد والضغوط الاقتصادية الراهنة.

وخلال المداولات، برزت مخاوف عدة بشأن الهجرة غير النظامية، وما يحيط بها من مخاطر ترتبط بالاتجار بالبشر، وتهريب المخدرات، والاستغلال، فضلاً عن هشاشة أوضاع المهاجرين الذين يعيشون أو يعملون خارج الأطر القانونية الرسمية. وشدد المجتمعون على الأهمية البالغة لحملات التوعية والإرشاد، لتمكين المهاجرين من استيعاب إجراءات تسوية الأوضاع وآليات الدعم المتاحة، وإدراك المخاطر المحفوفة بالمسارات غير النظامية.
كما أفرد جدول أعمال الطاولة المستديرة حيزاً هاما لمناقشة تجارب دمج الأطفال والشباب والنساء داخل المجتمعات المحلية باعتبارها قضية جوهرية؛ حيث ركز النقاش على أن الإدماج الحقيقي لا يقتصر على مجرد تيسير الوصول إلى الخدمات الأساسية فحسب، بل يرتكز بالأساس على مدى قدرة المدارس والأحياء والفضاءات المجتمعية على توفير بيئة تشعرهم بالأمان والاعتراف والقبول.
دور الأطراف الدينية والمجتمعية الفاعلة
استُهلت أعمال اجتماع الطاولة المستديرة بورقة فكرية قدمها الدكتور الزين الإمام، العضو السابق في المجلس الإسلامي الأعلى، تناول فيها الهدي الإسلامي في التعامل مع المهاجرين واللاجئين والنازحين. وشكلت قراءته المرتكزة على قيم التضامن، وحسن الوفادة، وصون الكرامة الإنسانية، ونصرة المستضعفين، مرجعية أخلاقية رصينة لمعالجة تحديات الهجرة.
ويكتسي هذا التأصيل أهمية بالغة نظراً لكون قضايا الهجرة غالباً ما تُبحث بلغة إدارية أو أمنية بحتة؛ وهو ما دفع المشاركين إلى الارتقاء بالنقاش لبحث سبل تمكين القيادات الدينية، والتربويين، والمنظمات الشبابية، ووسائل الإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني من المساهمة في الحد من مظاهر التمييز، وترسيخ أواصر الثقة بين مجتمعات المهاجرين والنازحين من جهة، والمجتمع المضيف من جهة أخرى.
وأبانت المداولات أن الحوار بين أتباع الأديان والثقافات يمكن أن يؤدي دوراً عملياً وملموساً متى ما ارتبط بالاهتمامات الحقيقية للمجتمع؛ إذ يساهم الحوار في تفكيك الصور النمطية، وتهيئة مساحات آمنة للتفاعل الإيجابي، فضلاً عن دعم قيم التعايش السلمي وتطويق بؤر التوتر قبل أن تتحول إلى انقسامات مجتمعية عميقة.
المجتمع المدني كجسر للتواصل
برزت منظمات المجتمع المدني كفاعل محوري طوال مجريات النقاش؛ حيث سلط المشاركون الضوء على دورها الريادي في تقديم خدمات الدعم، وتيسير الوصول إلى المعلومات، والقيام بدور الوسيط الفعال بين مجتمعات المهاجرين، والمجتمع المضيف، والمؤسسات الرسمية.

وتكتسي هذه الوساطة أهمية بالغة لاسيما حين يجهل المهاجرون الأطر والأنظمة الرسمية، أو عندما تواجه المؤسسات الحكومية تحديات في قدراتها الاستيعابية؛ إذ يستطيع فاعلو المجتمع المدني رصد الاحتياجات في مراحل مبكرة، وشرح الإجراءات القانونية، ودعم الإدماج المجتمعي، فضلاً عن بناء علاقات إنسانية يصعب إرساؤها عبر القنوات الرسمية وحدها.
وفي الوقت ذاته، شدد الحاضرون على أن منظمات المجتمع المدني لا يمكنها تحمل هذا العبء بمفردها؛ فصياغة استجابات فعالة تتطلب تكامل الجهود وتنسيقاً وثيقاً بين المؤسسات العامة، والقيادات الدينية، والتربويين، ورجال الإعلام، والجمعيات المحلية، وجاليات المهاجرين ذاتها.

ولم يغب دور الإعلام في تشكيل الوعي المجتمعي عن طاولة النقاش؛ حيث أكد المشاركون ضرورة تبني معالجات إعلامية متوازنة تتجنب إذكاء المخاوف أو تكريس الصور النمطية، دون إغفال الطرح الموضوعي والصريح للتحديات المرتبطة بملف الهجرة. وفي ظل بيئة قد تؤثر فيها الشائعات والمعلومات المضللة سريعاً على العلاقات بين المكونات السكانية، يغدو الخطاب الإعلامي المسؤول جزءاً لا يتجزأ من منظومة الدفاع عن التماسك الاجتماعي.
دعوة لإطلاق حوار وطني موسع
تجلت أبرز خلاصات اجتماع الطاولة المستديرة في التطلع لدعوة "كايسيد" لرعاية وتيسير مسار حوار وطني شامل وموسع يُعنى بقضايا الهجرة والتماسك الاجتماعي في موريتانيا. واقترح المشاركون أن يضم هذا المسار المؤسسات الحكومية المعنية، ومنظمات المجتمع المدني، والقيادات الدينية، وممثلي وسائل الإعلام، وجاليات المهاجرين؛ بهدف بلورة رؤية مشتركة إزاء التحديات المرتبطة بالهجرة، واستنباط حلول عملية تعزز قيم الإدماج، وصون الكرامة الإنسانية، والتعايش السلمي.
وتعكس هذه التوصية رسالة أشمل تمخضت عنها المداولات، ومفادها أن ملف الهجرة لا يمكن مقاربتة عبر مشاريع معزولة أو تدخلات آنية قصيرة المدى، بل يتطلب مساحة دائمة للنقاش والتنسيق وبناء الثقة بين الفئات الأكثر تأثراً بالظاهرة والجهات المسؤولة عن صياغة الاستجابات المجتمعية.

ومن خلال وضع الحوار في صدارة المناقشات، تجاوز اجتماع الطاولة المستديرة الرؤية الضيقة لملف الهجرة، ليتعامل معه كقضية إنسانية واجتماعية ومؤسسية مركبة تستدعي تعاوناً متعدد الأطراف.
وفي بلد مثل موريتانيا، حيث تتقاطع قضية الهجرة مع الضغوط الاقتصادية، والتصورات المجتمعية، وإدماج الشباب، والمرونة المجتمعية، يبرز هذا النمط من الحوار كإحدى أنجع الأدوات المتاحة؛ ليس كبديل عن السياسات والاستراتيجيات الرسمية، بل كركيزة تضمن صياغة خطط عمل وسياسات عمومية نابعة من صميم الواقع اليومي للذين يعايشون هذه التجربة بكل تفاصيلها.
