استقبل مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار (كايسيد) ممثلي السلك الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي المعتمدين لدى الجمهورية البرتغالية، وذلك في إطار اجتماع طاولة مستديرة للسفراء بعنوان: "منهجيات الحوار التحويلي من أجل السلام والتماسك الاجتماعي"، والتي عُقدت في مقر المركز الرئيسي بالعاصمة لشبونة. وقد شكل هذا الاجتماع فرصة لتبادل الآراء بوضوح وشفافية حول السبل التي يمكن من خلالها للحوار — بما في ذلك الحوار بين أتباع الأديان والثقافات — أن يسهم في منع التوترات، وتعزيز الثقة، ودعم بناء مجتمعات أكثر تماسكاً.
وعُقد هذا الاجتماع في إطار الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، التي تتولاها حالياً جمهورية قبرص. وشهدت الفعالية، التي نُظمت بالتعاون مع سفير جمهورية قبرص، "إلبيدوفوروس إيكونومو"، إلقاء كلمات افتتاحية من قبل ممثلي "مجلس الأطراف" من جمهورية النمسا ومملكة إسبانيا. كما اطلع الممثلون الدبلوماسيون على مهام المركز وبرامجه في أوروبا ومناطق أخرى، مع التركيز بشكل خاص على العمل الذي يربط بين الأولويات السياسية والواقع المعاش للمجتمعات المحلية في أوروبا.
وصرح السفير "أنطونيو دي ألميدا ريبيرو"، الأمين العام المكلف لـــــ "كايسيد"، قائلاً:
"إننا في كايسيد على قناعة تامة بأن السلام المستدام لا يتوقف على العلاقات بين الدول فحسب، بل يعتمد بالأساس على الثقة داخل المجتمعات ذاتها. فعندما تتكامل الدبلوماسية والحوار، يمكنهما خلق مسارات مرنة لمنع النزاعات، ومعالجة المظالم، وإعادة بناء التماسك الاجتماعي".

ومن جهته، أكد السفير "إلبيدوفوروس إيكونومو"، سفير جمهورية قبرص لدى الجمهورية البرتغالية، بقوله:
"إن قوة اتحادنا تكمن في الشعب وفي المشاركة الفاعلة لكل أوروبي. إن 'الاتحاد المستقل' هو الذي لا يترك أي مواطن خلف الركب؛ فهو قائم لحماية قيمنا المشتركة، وتمكين المشاركة، وخلق بيئة مواتية تتيح للجميع الازدهار".
ويجدد "كايسيد" التزامه بسد الفجوة بين عملية صنع السياسات والقوة التحويلية للحوار بين أتباع الأديان والثقافات. كما يعرب المركز عن استعداده التام لدعم التزام الرئاسة القبرصية بمبدأ "الاتحاد المستقل للقيم" الذي يضمن شمول الجميع وعدم إقصاء أحد.
وخلال جلسات الحوار، استعرض المشاركون دور الحوار في معالجة أوجه عدم المساواة والتمييز المتجذرة في الانقسامات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. كما بحثت المناقشات المنهجيات العملية التي تساعد في بناء القدرة على الصمود في وجه الانقسام والإقصاء، ومواجهة إساءة استخدام الدين لتبرير الكراهية والتمييز، مع التأكيد على الأهمية البالغة لوجود محاورين موثوقين ومساحات آمنة للحوار.
كما سلط اجتماع الطاولة المستديرة الضوء على خبرة "كايسيد" في حشد المنصات متعددة الأطراف، وتقديم التدريب والدعم المخصص للفاعلين الدينيين والمجتمعيين، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء المؤسسيين. وفي أوروبا، يتركز عمل المركز على تعزيز التماسك الاجتماعي والمساعدة في سد الفجوة بين مناقشات السياسات والواقع المحلي، وذلك بالتعاون مع مجموعة واسعة من الشركاء الحكوميين وغير الحكوميين.
وتشمل منطقة عمل "كايسيد" في أوروبا الفضاء الجيوسياسي الذي يضم الدول الـ 46 الأعضاء في مجلس أوروبا؛ وهي منطقة شاسعة تزداد فيها التعددية الدينية والثقافية بشكل ملحوظ. ويسخر المركز الحوار بين أتباع الأديان والثقافات كمنهجيات فعالة لتعزيز التماسك الاجتماعي، ودعم المصالحة، ومعالجة التحديات البيئية التي باتت تختبر النسيج الاجتماعي الأوروبي بشكل متزايد.
وخلال أعمال اجتماع الطاولة المستديرة، عرضت "تيريزا ألبانو"، مديرة برامج كايسيد في أوروبا، منهجية المركز المسماة "حلقة الحوار من أجل العمل " (Dialogue to Action loop)؛ وهي منهجية تجمع بين التواصل رفيع المستوى مع صناع السياسات والقيادات الدينية من جهة، وتمكين المجتمعات على المستوى المحلي والمجتمعي من جهة أخرى. كما اطلع المشاركون على مبادرات رائدة مثل "المجلس الإسلامي اليهودي" و"شبكة الحوار"، والتي تُظهر كيف يمكن للحوار بين أتباع الأديان والثقافات أن يتحول إلى إجراءات محلية ملموسة لمواجهة الاستقطاب والتمييز والتفكك الاجتماعي.

كما استعرض اجتماع الطاولة المستديرة أمثلة حية حول كيفية تحول الحوار إلى فعل ملموس على المستوى المجتمعي.وفي وقت تتصاعد فيه مظاهر معاداة السامية وكراهية المسلمين في جميع أنحاء أوروبا، يجمع "المجلس الإسلامي اليهودي" أبرز القيادات الدينية الإسلامية واليهودية لاتخاذ مواقف علنية مشتركة.
واطلع المشاركون على "برنامج سفراء" التابع للمجلس الإسلامي اليهودي، حيث يعمل قادة شباب، مثل "هند" و"إيدل"، جنباً إلى جنب لمواجهة معاداة السامية وكراهية المسلمين. وبدعم من "كايسيد" وإشراف وتوجيه من قيادات دينية بارزة (إمام وحاخام)، أطلق الشابان مشروع "يلا " (Yalla)، حيث يقومان بزيارات مشتركة للمدارس والتحدث بصوت واحد ضد الكراهية. ويعد عملهما نموذجاً لما يعنيه الدفاع عن كرامة الآخر رغم الاختلافات، انطلاقاً من رسالة مشتركة مفادها: "أن ألم مجتمع ما لا يلغي ألم المجتمع الآخر، وأن الهوية لا ينبغي أن تشكل تهديداً، وأنه يمكن استيعاب التعقيدات دون الاستسلام للانقسام".
وينشط سفراء شباب مماثلون في كل من النمسا، والبوسنة والهرسك، وفنلندا، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وبولندا، مما يجسد المعنى الحقيقي للالتقاء حول المسؤولية الأخلاقية المشتركة على أرض الواقع.
ومن خلال مبادرات مثل "شبكة الحوار"، الفاعلة في 12 دولة أوروبية، يعمل "كايسيد" أيضاً مع المهاجرين واللاجئين والمجتمعات المضيفة لإعادة صياغة مفهوم "التنوع" باعتباره مورداً غنياً وليس تحدياً وعبئاً. وتدعم الشبكة الفاعلين المحليين في النظر إلى القادمين الجدد، ليس كمشكلات تتطلب حلولاً، بل كأفراد يحملون معارف ومهارات ورؤى من شأنها أن تسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي.
وعلى مستوى السياسات، اطلع المشاركون على "محادثات كايسيد البرلمانية"، التي تجمع البرلمانيين وصناع القرار في البرلمان الأوروبي والجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، جنباً إلى جنب مع القيادات الدينية والجهات الفاعلة ذات الجذور الدينية. وتوفر هذه اللقاءات المنظمة مساحة للتفكير في قضايا الاحتواء الاجتماعي، وحرية الدين أو المعتقد، وخطاب الكراهية، والمسؤولية البيئية، مما يعزز التعاون بين الجهات المؤسسية والفاعلين المجتمعيين.
كما سلط اللقاء الضوء على "المنتدى الأوروبي للحوار بشأن سياسات اللاجئين والمهاجرين" التابع للمركز، والذي يجمع بين صناع السياسات والجهات الدينية والمجتمع المدني حول أسس أخلاقية مشتركة، مما يساعد في الربط بين أولويات السياسة الأوروبية والواقع المعاش في المجتمعات.وفي العام الماضي بجنيف، تبلورت تلك النقاشات في "نداء العمل الصادر عن المنتدى الأوروبي للحوار"، والذي ركز على ثلاث أولويات واضحة ومترابطة: الإنسان، والكوكب، والازدهار.
وفي ختام اللقاء، أعرب "كايسيد" والوفود المشاركة عن اهتمامهم بمواصلة هذا التبادل والتعاون حول كيفية مساهمة أدوات ومنهجيات الحوار في جهود الوقاية، والتعايش السلمي، وبناء مجتمعات شاملة للجميع داخل أوروبا وخارجها.