قال في حوار مع "........" إن "كايسيد" تميز عن غيره بتشخصه لمكمن الداء وتقديمه للعلاج

26 مايو 2017
[file:field-file-image-alt-text]

زروقي: علينا العمل من أجل الحفاظ على التنوع الديني والثقافي في ضوء المواطنة المشتركة

الحوار شكلا من أرقى أشكال التحضر والمدنية

يذهب الباحث والكاتب الأكاديمي محمد زروقي في حواره مع ".........." إلى القول بأن أهمية  العمل من أجل الحفاظ على التنوع الديني والثقافي في ضوء المواطنة المشتركة التي تقوم على إحياء المشتركات الإنسانية وتغذيتها ثقافيا وفكريا تكمن في توفير منصات تسهم في إحداث تغيير إيجابي لدعم وتعميق مفاهيم التعايش السلمي بين أتباع الأديان والثقافات المتنوعة في المجتمع الواحد.

ويقول الباحث زروقي أن مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي  للحوار بين أتباع الأديان والثقافات استطاع أن يفهم المعادلة الحضارية، وذلك بتشخيصه لمكمن الداء في حاضرنا، وهذه هي المهمة التي تميز "كايسيد" عن غيره من المراكز والمنظمات في عالمنا اليوم إذ تراعي الجانبين معا... فالتنظير باعتباره يدخل في سياقات التدريب له أهميته البالغة إضافة إلى الجانب العملي التطبيقي، وللأهمية البالغة التي تكتسيها مشاريعنا الفعلية يجب أن يكون تركيزنا رأسا على أفضل الممارسات الحوارية لأجل إيجاد حلول مستدامة لمشاكلنا في العالم لأجل تعايش سلمي شامل.

وتاليا نص الحوار :

س1/ ماذا تعني لك المشاركة في برنامج الزمالة الدولية لمركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات؟

ج1/ لا يزال الفرد في أوطاننا العربية يبحث عن الفرص المتاحة دوما، هذه الفرص التي نقر بأنها شحيحة جدا في عالمنا اليوم، إنها لفرصة سانحة لكل فرد يؤمن بالحوار كمنطلق أساس لتحقيق التعايش وبناء المشترك الجامع، ويمثل اختياري للمشاركة في هذا البرنامج المتميز فرصة ذهبية للعمل في إطار منظماتي للعمل على تجسيد العديد من النظريات الحوارية والسلمية، لأجل تحقيق التعايش الذي ننشده بين أديان العالم وثقافاته، كما أن فلسفتي في الحياة تتوافق تماما مع ما يتخذه مركز الحوار العالمي (كايسيد) شعارا لها "حوار من أجل السلام" إذ يسعى هذا المركز إلى دعم مسيرة الحوار والتفاهم بين أتباع الأديان والثقافات المتعددة لبناء حوار فعلي في مناطق يسودها النزاع، وذلك من خلال تعزيز ثقافة احترام الآخر من جهة، والتحفيز على التعرف عليه، وأهم أسباب غياب الحوار هو عدم فهمنا للآخر والجهل به، وهو ما سمح للصور النمطية بأن توجه سلوكياتنا توجيها سلبيا، ومن خلال ما تقدم فإن المركز يعتبر وسيلة دولية سانحة، ويجب علينا استغلالها لأجل تفعيل التعرف على الآخر وتجسير العلاقة معه لأجل التحقق بالعيش المشترك.

س2/ كيف يمكن استثمار المعرفة التي يمنحها برنامج الزمالة الدولية في العالم العربي في بناء شبكة من مجتمع فعال عبر الحدود، يضم صناع السلام لإقامة الحوار بين أتباع الأديان وإيجاد حلول مستدامة للسلام والتعايش السلمي؟

ج2/ على كل المشتركين في هذا البرنامج، برنامج مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان و الثقافات  للزمالة الدولية في العالم العربي، أن يستثمروا كل المعارف التي أخذوها من خلال تدريباتهم الدورية، خصوصا وأن القائمين على البرنامج يتمتعون بكفاءة وآداء عاليين جدا، هذا الآداء من شأنه أن يصقل مواهب المتدربين وذلك من خلال إضافة عديد المعارف والتقنيات المهمة في سبيل ممارسة مهمة الحوار، ولا يزال الحوار شكلا من أرقى أشكال التحضر والمدنية التي خطى الإنسان المعاصر نحوها خطوات عملاقة، لذا يجب علينا في العالم العربي أن نستثمر معارفنا في هذا المجال، وذلك من خلال بناء شبكة واسعة داخل مجتمعاتنا المحلية كخطوة ابتدائية، ثم تتوسع دائرة هذه الشبكة لتشمل المحيط العربي ككل، وبما أننا في برنامج الزمالة الدولية لهذه السنة نمثل أثنى عشر دولة عربية، فإننا بالإمكان أن نمد جسورا ثقافية وفكرية فيما بيننا طوال مدة التدريب، وهو ما من شأنه أن يسهم في تخليق فضاءاتنا العربية المتقاربة، وهذا ما سينعكس إيجابيا على بيئتنا العربية التي هي اليوم أحوج ما تكون إلى هذه المبادرات القيمة، ومنه فإنني أطمح كغيري من المشتركين من البلدان العربية إلى خلق شبكة عابرة، تجمع بين المؤمنين بهذه المهمة التي يعمل مركزنا مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، وباعتبارنا بناة سلام مؤسس على الحوار والتفاعل بين أتباع الأديان فإننا نسعى إلى أن لا يبقى ذلك كله على المستوى النظري، بل يجب أن ينزل ويجسد على أرض الواقع، وهذه هي المهمة التي تميز "كايسيد" عن غيره من المراكز والمنظمات في عالمنا اليوم، إذ يراعي الجانبين معا فالتنظير باعتباره يدخل في سياقات التدريب له أهميته البالغة، إضافة إلى الجانب العملي التطبيقي، وللأهمية البالغة التي تكتسيها مشاريعنا الفعلية  فيجب أن يكون تركيزنا رأسا على الحد من النزاعات ونشر ثقافة الحوار من أجل التوصل إلى مرحلة التفاهم المشترك لأجل إيجاد حلول مستدامة لمشاكلنا في العالم لأجل تعايش سلمي شامل.

س3/ إلى أي مدى يمكن للقيادات والمؤسسات الدينية، إلى جانب صانعي القرار ومكونات المجتمع كافة، أن تدفع مسيرة الحوار والتفاهم بين أتباع الأديان والثقافات المتعددة والعمل على تعزيز ثقافة احترام التنوّع وإرساء قواعد العدل والسلام بين الأمم والشعوب، في ظل تنامي ظواهر التطرف والإرهاب والعنف باسم الدين؟ 

ج3/ طبعا لا تزال المؤسسات والهيئات الرسمية والحرة تلعب الدور الرئيسي في مجتمعاتنا سلبا وإيجابا، لكن المسؤولية منوطة بالقيادات في هذه المؤسسات، ولعل الحكمة التي يتمتع بها القائمون على "كايسيد" قد جعلتهم يركزون على فئة الشباب في عديد المؤسسات، وتكمن الأهمية البالغة في الأمر أن لكل مؤسسة من مؤسساتنا امتداد مجتمعيا وتوغلا عميقا داخل نسيجه من جهة، والصلة المباشرة بمراكز القرار في بلداننا، لذا فهي بمثابة همزة وصل لربط واقع المجتمع بطبقة القرار الرسمي، وهو الدور الغائب حاليا، ولعل ما نشهده في واقعنا من عنف وتطرف في شتى مجالات حياتنا له دوافعه ومبرراته الواقعية، وذلك لغياب فلسفة سلمية يتربى المجتمع عليها، وهذا الدور هو الذي يجب أن تقوم به المؤسسات من خلال القيادات الدينيية فيها، في سبيل الدفع بمسيرة الحوار والتفاهم بين أتباع الأديان والثقافات المتعددة، لذا فإن علينا مسؤولية كبرى تقع على عاتقنا، من أجل تدريب مجتمعاتنا على الحوار وتقبل الآخر وتوعيته بأهمية الثراء الذي يشكله النسيج المجتمعي المختلف في حياتنا اليومية.

س4/ ما هي برأيك أهمية إطلاق مبادرات محلية وإقليمية وعالمية لمكافحة الإرهاب، ولمعالجة التطرف والحد منه وترسيخ الوسطية والاعتدال ونشر ثقافة الحوار دينياً وتعليمياً وثقافياً واجتماعياً.

ج4/ بما أننا نؤمن بأهمية الحوار فيجب اليوم أن نعي جميعا ساسة ونخبة فاعلة أن مكافحة الإرهاب والتطرف لا يمكنه أن يكون بالرصاص فحسب، لأن الإرهاب في أساسه فكر يتنامى يوما بعد يوم، ورغم أن دول العالم كله تحاربه إلا أنها لم تفلح لحد اللحظة في القضاء عليه، ذلك أننا إلى اليوم لا نتعامل مع هذا الوباء تعاملا صحيحا، والأصل أن تقابل الفكرة بالفكرة، فتقوم الفكرة الصحيحة بتفتيت الفكرة الخاطئة التي تنتج لنا في واقعنا إرهابا ودمارا وعدم استقرار، وإن كانت الأديان في أساسها بريئة من كل الذي يحصل، إلا أن التفاسير والفهم الخاطئ لها هي المسؤولة عما نشهده من عنف، والمطالع لتراثاتنا الدينية باختلافاتها سيلحظ حجم الهول الموجود في دواوين التراث لدينا، لذا علينا اليوم أن نتوجه إلى حداثة دينية طارئة، حداثة تقوم أساسا على تحكيم العقل والروح في قضايانا الراهنة، نرجع فيها إلى تراثنا فنتدارسه مدارسة واعية نجعل أساسها قيمة الإنسان، نستعمل كل الوسائل التي تتيحها العلوم المعاصرة، فلا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نبقى مكتوفي الأيدي أمام ما يروج من فلسفات هدامة، فلسفات تجعل من الأخلاق ميزة بارزة للضعفاء من جهة، أو أن تجعل جدلية المختلف نقطة مقابلة لا بد من القضاء عليها لإحقاق الذات، ومهما يكن فيجب تدارس وتفكيك كل النظريات الفلسفية التي نسميها في تداولنا بفلسفات القوة، وما شابهها من نظريات صراع الحضارات ونهاية العالم، هذه التي أسهمت اليوم إلى جانب الفهم السقيم في موروثاتنا الدينية في خلق فضاءات واسعة من الصراعات، والحروب الشاملة التي أصبحنا جميعنا أمامها في كف واحدة يتلاعب بنا أصحاب النوايا السيئة للبشرية أجمع.

س5/ كيف يمكن أن تسهم في العمل من أجل الحفاظ على التنوع الديني والثقافي في ضوء المواطنة المشتركة، وتوفير منصات تسهم في إحداث تغيير إيجابي لدعم وتعميق مفهوم المواطنة المشتركة وترسيخ التعايش السلمي، وقيم الحوار والتفاهم والتعاون بين أتباع الأديان والثقافات المتنوعة؟

ج5/ على المستوى الشخصي وباعتباري عضوا في عديد الهيئات التنموية والتعاونية والدينية، فإن المسؤولية على عاتقي اليوم أكبر من أي فترة سابقة، خصوصا وأنني أستفيد اليوم من تدريبات مركزنا مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي  للحوار بين أتباع الأديان والثقافات ، هذا المركز الذي استطاع أن يشخص مكمن الداء في حاضرنا، وكما أن أهم مرحلة لدى المعالج في المجال الطبي هي مرحلة تشخيص المرض، فإن مركزنا ومن خلال النظرة الثاقبة للقائمين عليه استطاع أن يفهم المعادلة الحضارية، وذلك بتشخيص الداء تشخيصا دقيقا وتقديم العلاج، ولا تزال مشكلتنا مشكلة إنسان بامتياز، والواقع يشهد بأن الإنسان اليوم أصبح مجرد أداة كغيرها من الأدوات، يحصل الكثير من الدمار الذي نعيشه يوميا، ثم نقله إلى مرحلة أخطر وهي مرحلة التصلب، هذا التصلب الذي أسهمت فيه منظوماتنا التربوية وجل فعالياتنا الثقافية.

والمركز ومن خلال الرهان على أهمية الإنسان في فك شفرة الأزمة الراهنة، يلقي على عواتقنا المهمة الأثقل والأسمى في آن، وهي مهمة العمل من أجل الحفاظ على التنوع الديني والثقافي في ضوء المواطنة المشتركة، مواطنة تقوم على إحياء المشتركات الإنسانية وتغذيتها ثقافيا وفكريا، تعمل على اقتلاع كل الأفكار السيئة والنتوءات الضارة، ولأجل التحقق بذلك يجب علينا أن نقوم بتوفير منصات تسهم في إحداث تغيير إيجابي لدعم وتعميق مفهوم المواطنة المشتركة، هذه المنصات هي الضرورات العاجلة التي نعول عليها في سبيل تحقيق أهدافنا ومشاريعنا، فلا يزال واقعنا شاهدا على تخلفنا في هذا المجال، إذ الناظر يشهد بأن هناك بعض المباردات الفردية المعزولة، المعزولة عن المجتمع من جهة وعن السلطة من جهة أخرى، وهو ما جعل من هذه المبادرات أشبه بالترف الفكري الذي عانت منه بيئتنا العربية لقرون.

وأعتقد أن مهمتنا التي نقوم بها هي ليست حل النزاعات والقضاء على بؤر التوتر في عالمنا فقط، بل هي أساسا مهمة وجودية، فمن خلال عملنا نتحقق بإنسانيتنا التي تسهم الظروف السيئة المحيطة بنا في تشظيها تحت يافطات هوياتية واهية، يجب أن نعي أننا كلنا إما أن نكون إنسانا أو لا نكون، بهذا دون سواه يمكننا إحياء الهوية الخالدة... الهوية الحقيقية... هوية الإنسان، والبقية بعد ذلك تأتي.