Loading...

خمسة دروس تعلمناها بعد عام من الجائحة

08 أبريل 2021
A priest stands next to emergency frontline health workers

إنه لمن الصعب تحديد اللحظة الدقيقة التي بدأت فيها الجائحة، أكانت في منتصف مارس من عام 2020 بعد أن أطلقت منظمة الصحة العالمية التسمية الرسمية للفيروس أم في الأسابيع التي سبقت اختفاء الضروريات الأساسية من على رفوف محلات البقالة؟ وعند الكثيرين، فإن الجائحة بدأت في أثناء فترة الإغلاق في تلك الأيام الأولى من العزلة عن أفراد العائلة والأصدقاء.

ومع تحول عدد قليل من الإصابات إلى إحصاءات مفزعة، وجدت القيادات الدينية نفسها على الخطوط الأمامية لأزمة لم يسبق لها مثيل. لذا، فإنها غدت من المستجيبين الطبيين ومقدمي المعونة الإنسانية ومستشاري الصحة النفسية ومقيمي الشعائر والأصدقاء. ولقد ساعدت الكثيرَ منا أيضًا على تحمل الإحساس الهائل بالخسارة، وذلك بعد فقد الأحبة وتدمر سبل العيش وإلغاء التعميد وحفلات الزفاف ومراسم التأبين.

وعلى مدى الاثني عشر شهرًا الماضية، شاركنا العديد من قصص المؤمنين الذين بثُّوا شعاعًا من النور والأمل في نفق اليأس والإحباط المظلم، كما أجرينا مقابلات مع المئات من شركاء مركز الحوار العالمي "كايسيد" في جميع بلدان العالم.

وبعد عام واحد من الإغلاق، فإننا سنسترجع بعضًا مما أنجزناه لنرى كيف جمعَنا الدينُ معًا في اللحظات التي كنا فيها متباعدين جسديًّا ونشاركَ 5 دروس تعلمناها على مدى عامل كان عصيبًا بكل ما تعنيه الكلمة، وهذه الدروس الخمسة يمكن أن تبني لنا مستقبلًا أكثر اتحادًا وتوافقًا وأُلفة.

1. المجتمعات المحلية تجلَّت في مساحات جديدة

  في حين حظرت الحكومات في شتى أنحاء العالم التجمعات العامة وقيَّدت السفر لكبح جماح الفيروس، تحولت القيادات الدينية وممارسو الحوار إلى استخدام أساليب إبداعية للحفاظ على الإحساس بالمجتمع.

ففي النمسا، سجل الأب أندرياس كايزر كاهن أبرشية أوبر سانت فيت صورًا من أبرشيته لمقصورات الكنيسة ليري رواد الأبرشية أنهم كانوا حاضرين في فكره وصلواته، كما أنه كتب رسائل وأجرى مكالمات هاتفية مع كبار السن الذين بذلوا ما بوسعهم ليتمكنوا من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وقال: "إن الفكرة كانت الحفاظ على هذا الشعور بالانتماء والارتباط".

وفي الأرجنتين، انضم الحاخام مارسيلو باتر إلى السلسلة الأرجنتينية للتواصل الإيماني (Cadena Telefónica)، وهي مبادرة متعددة الأديان ربطت بين أفراد منعزلين أو قلقين وإحدى قياداتهم الدينية. وقال باتر: "أنا الآن أستخدم الهاتف 24 ساعة في اليوم، وذلك نظرًا إلى أن الناس بحاجة إلى أن يبقَوا على اتصال مع الآخرين ولأن من ليس لديه أُسرة سيشعر بأنه وحيد على الدوام".

وفي نظر الشباب، فإن الأدوات الرقْمية تؤمن حلولًا هم في أمس الحاجة إليها. ومع نضال الشباب في بلدان العالم كافَّة من أجل تجاوز الإحساس بالخسارة والخوف، أطلق كلٌّ من سوهيني جانا وجون راسموسن مجموعة لدعم الصحة النفسية على الإنترنت تقدم المشورة والتوجيه المهنيَّين في هذا المجال.

أما في المملكة العربية السعودية، فقد وجدت النساء الشابَّات التمكين عبر الحوارات الرقمية الأسبوعية، كما اكتشفت القيادات الشابة من مشروع بناء السلام في نيجيريا أن أفضل طريقة للربط بين الأفراد الذين لا يجتمعون عادة هي عقد الاجتماعات على الإنترنت وعبر مجموعات الواتساب.

2. تحقق الامتثال والالتزام

إذ أفرغت جائحة "كوفيد-19" أماكن العبادة، ذكَّر أعضاءُ مجلس إدارتنا المتعدد الأديان المؤمنينَ بأن الصلاة والتأمل الشخصيَّين يتيحان الارتباط بالله كما تتيحه التجمعات الشخصية تمامًا. كذلك، فقد دعَوا المجتمعات المحلية الدينية في مختلِف أنحاء العالم إلى التحلي بالحكمة والرزانة في مناسباتهم واحتفالاتهم المجتمعية. وقد ظهر الإبداع في جميع جوانب العبادة؛ إذ بثَّت القيادات الدينية شعائرها الدينية الأسبوعية بثًّا حيًّا على الإنترنت وأنشأت أنظمة حجز إلكترونية تستخدم رموز الاستجابة السريعة QR لتأكيد أوقات الصلاة في المساجد المحلية.

وفي البرازيل، قاد الحاخام غيرشون كواسنيفسكي أول عشاء افتراضي على الإطلاق لكنيسه احتفالًا بعيد الفصح اليهودي أو "بيساش"، في حين استمتعت هبة صلاح بمشاركة وجبات الإفطار على الإنترنت مع الأصدقاء في شهر رمضان المبارك.

وفي أنحاء العالم كله، شارك البوذيون في جلسات التأمل الرقمية في أثناء احتفالهم بيوم فيساك، وهو يوم يُحتفل فيه بذكرى ولادة غوتاما بوذا وتنويره ووفاته، وحضَّروا وجبات الأعياد التقليدية بمساعدة دروس الطبخ الإلكترونية.

وإلى المملكة المتحدة، فقد بثَّ فريق الكهنة المتعدد الأديان التابع للحاخام أليكس غولدبرغ  في جامعة سري Surrey 18 عرضًا في الأسبوع عبر استوديو التلفاز الجامعي وصلت إلى 10.000 طالب وتضمنت برامج خاصة بعيد الفصح وعيد الفصح اليهودي وعيد بيساكي (رأس السنة السيخية) ويوم فيساك وشهر رمضان المبارك والاحتفالات الإنسانية غير الدينية.

أما في الهند، فمع ارتفاع عدد الوفيات وإلغاء خدمات الجنائز، أطلق سوامي أثماداس يامي مشروع جنازات الكرامة لضمان أن تقيم القيادات الدينية مراسم دفن آمنة وأن يؤدي أفراد المجتمع شعائر دينية مناسبة.

3. المحنة أجَّجت الانقسامات

مع تسارع انتشار الجائحة، اشتعل فتيل خطاب الكراهية المعادي للمجتمعات الدينية والعرقية في أرجاء العالم كله، ممَّا شجع على ممارسة العنف بحق اللاجئين والفئات المجتمعية الأخرى. ومرة أخرى، استجابت المجتمعات الدينية لهذه الاتجاهات المثيرة للقلق.

ففي الهند، أطلقت الدكتورة سواتي تشاكرابورتي منصتها الحوارية WebPlatform4Dialogue لمواجهة خطاب الكراهية المعادي للمسلمين. وفي نيجيريا، انضم الأب ستيفن أوجابا إلى حملة على وسائل التواصل الاجتماعي للحد من انتشار المعلومات المضللة التي تستهدف المجموعات العرقية والدينية في البلاد.

وبشأن المنطقة العربية، فقد أطلق فيها خريجو برنامج كايسيد وسائل التواصل الاجتماعي مساحة للحوار حملات لمكافحة التنمر على الإنترنت وتقديم خدمات مراجعة الحقائق ومناصرة السلام والاندماج.

ومع وصول معاداة السامية وكراهية الإسلام إلى معدلات تبعث على الانزعاج، اجتمع أعضاء بارزون من الجاليات الإسلامية واليهودية في أوروبا للاحتفال افتراضيًّا باليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست. وقال الأمين العام لمركز الحوار العالمي معالي الأستاذ فيصل بن معمر في كلمته حينها: "لا يمكن أن نتوقف أو نستريح حتى نضمن عدم إجبار إي إنسان على التعرض للخوف أو الخسارة أو حرمانه حقوقَه بسبب هُويته أو معتقداته الدينية".

4. المرجعية الأخلاقية تتصدى لانعدام الثقة

وفي خضم انتشار المعلومات الخاطئة وتزايد انعدام الثقة، تطلعت المجتمعات المحلية إلى القيادات الدينية لتأمين مصادر موثوقة للمعلومات. ومن جديد، أثبتت القيادات الدينية أنها من الشركاء الأساسيين لصانعي السياسات عند الاستجابة لتحديات كبيرة.

ففي أربيل بكردستان العراق، جمع برزان باران راشد وزارة الأوقاف والشؤون الدينية ووزارة الصحة معًا لتدريب القيادات الدينية على تثقيف أتباعها بشأن إرشادات النظافة الموصى بها. ووَفقًا لرشيد، فقد كان التعاون بين الوزارتين حاسمًا لجهة معالجة "كوفيد-19" في منطقة يجتمع فيها أكثر من مليون شخص في معظم مساجد كردستان لأداء صلاة الجمعة.

وفي نيبال، سعى راجندرا سينشوري إلى توعية القيادات الدينية المحلية بشأن أهمية التباعد الاجتماعي علميًّا لتجنب العدوى. أمَّا في كينيا، فقد عملت ميرسي وامبوي مويغاي مع القيادات الدينية على وقف ظاهرة الوصم بالعار لمن يصاب بهذا الفيروس الفتاك.

أما في ميانمار، فقد بذلت سوي مار أوو جهودًا حثيثة لتوعية أولئك الذين يعيشون في المناطق الحضرية المحرومة اقتصاديًّا ومعرفيًّا بسبب الفقر التي لا يوجد فيها تنسيق مجتمعي مع الرعاية الصحية المحلية، كما أنها ساعدت على مكافحة التمييز بحق العمال الأجانب العائدين من أماكن الإغلاق في الخارج. وقالت: "إن برامج التوعية المجتمعية ضرورية للغاية، وقد قاد برامجَنا قياداتٌ دينية من مختلِف الأطياف بالتعاون مع المتطوعين الشباب المحليين ومجموعات الإدارة العامة المحلية التي تشارك معلومات دقيقة عن الرعاية الصحية".

وإلى غانا، فقد درب محمد قاسم قيادات دينية على استخدام تقنية البث الحي في فيسبوك لبث الإرشادات الصحية، كما اشترى فريقه لاثنتين من القيادات الدينية اشتراكات البث لإيصال صوتهما إلى عامة الناس وتوعيتهم بشأن "كوفيد-19".

ولعل الأهم من كل هذا أن القيادات الدينية قد هدَّأت المخاوف بشأن لقاحات "كوفيد-19"، وذلك بالتشديد على أنها تتماشى مع المبادئ التوجيهية الغذائية الدينية والأخلاقية وأنها آمنة للاستخدام العام.

5. توزيع المعونات الإنسانية

نظرًا إلى أن الفيروس قد شلَّ الاقتصادات وزاد من حدة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فقد أصبحت المجتمعات الدينية هي الأخرى مقدمة للمعونات الإنسانية.

 ففي المملكة المتحدة، قدَّم كلٌّ من سنيها روي ويوهنسون أمانسونو الدعم لقيادات مسيحية وهندوسية وإسلامية وسيخية من أجل توزيع طرود الرعاية التي تحتوي على المواد الغذائية الأساسية وأدوات النظافة والأدوية.

وفي ميانمار، دربت مبادرة ميانمار السلمية (PMI) مجموعة محلية من المتطوعين على الاستجابة لحالات الطوارئ وتقديم المساعدة في مراكز الحجر الصحي. وإلى جانب ذلك، فقد عملت مع خريجي برنامجها الخاص بالحوار بين أتباع الأديان على توزيع مواد الوقاية للفئات المجتمعية المتنوعة.

وإذ رأت الحاخامة نعومي كاليش العبء النفسي والذهني الواقع على كاهل العاملين في مجال الرعاية الصحية في الخطوط الأمامية في شتى أنحاء العالم، فقد بنت مكتبة تضم مصادر تعليمية من ديانات مختلفة لتسهيل الحوار بين أتباع الأديان وأمَّنت موارد الرعاية الرعوية للقساوسة والطلاب القساوسة والعاملين في ميدان الرعاية الصحية وعامة الناس أيضًا.

وفيما يخص لبنان، فقد شرع محمد الجندي التابع لجمعية "تنمية وتحسين" وأعضاء من وحدة طوارئ عكار في تعقيم دور العبادة وأطلقوا عبر الإنترنت حملة تمويل مجتمعية للمشافي الحكومية. وإلى جانب ذلك، فقد وزعوا أكثر من 74.900 سلة غذائية بين الأسر المحتاجة.

إعادة البناء بطريقة أفضل

في كل تلك الجهود المبذولة، طُلب إلى العالم أن يعيد اكتشاف نفسه وأن يغير أولوياته لحماية الضعفاء. وقال ابن معمر في بيان ألقاه مع بدء تفشي الجائحة: "في عالم يزداد ميلًا إلى المصلحة الذاتية، يمكننا أن نرى انبعاث بعض أفضل الغرائز الإنسانية كما تتجلى في العديد من الثقافات والأديان. وسوف تساعدنا هذه الغرائز على إعادة بناء عالمنا بطريقة أفضل، عبر اقتصاداتنا وأنظمتنا الخاصة بالرعاية الصحية ومجتمعاتنا. وإلى أن نخرج من هذه الجائحة، علينا أن نعتمد على مرونتنا وشجاعتنا وابتكارنا وقيمنا المشتركة، وقبل كل شيء إيماننا، لقيادتنا قُدمًا إلى المستقبل".

الكلمات الرئيسية

قصص ذات صلة

International
غيّر الحاخام ألكسندر غولدبرغ مسيرته المهنية على حد تعبيره. فقد واصل تعليمه الحاخامي بعد أن أصبح قسيسًا في جامعة ساري إلى أن...Read more
International
أدركت مبروكة رياشي، الفتاة النمساوية المسلمة من أصول تونسية، بالضبط كيف يبدو الأمر عندما تنحدر من أصول مهاجرة متنوعة. فخلال...Read more
International
أُطلقت أهداف التنمية المستدامة ( SDGs ) والمعروفة رسميًا باسم (جدول أعمال 2030 للتنمية المستدامة) في أعقاب قمة تاريخية للأمم...Read more