Loading...

بناء جسور الثقة بوساطة الحوار في أوكرانيا

02 مارس 2020
الصورة بعدسة أولينا بوليشوك

عندما أسس تاراس دزيوبانسكي مركز ليبرتاس للحوار بين أتباع الأديان والطوائف بمدينة لفيف في مايو عام 2013، كانت أوكرانيا تعيش حالة من السلام النسبي. وبعد أقل من عام، أطاحت الاحتجاجات العنيفة بالحكومة نتيجة لمطالبات روسيَّة بالحق في ضم شبه جزيرة القرم.

بدأ دزيوبانسكي رحلته معنا بالحديث بمهمة مركز ليبرتاس المتطورة، فقال: "كنت في الأصل أرغب في أن يعرف أتباع الطوائف الدينية المختلفة في أوكرانيا بعضهم بعضًا وحسب، ولكن عندما تكون في حالة حرب، فإن هذا الأمر لا يكفي وحدَه. وإن العمل المشترك لتحقيق الأغراض السلمية غدَا الآن محور تركيزنا الرئيس".

وسرعان ما وجد أكثر من 3.000 من المسلمين التتار النازحين من شبه جزيرة القرم ملاذًا لهم في لفيف، المدينة ذات الأغلبية المسيحية الكاثوليكية غرب أوكرانيا التي كانت حتى ذلك الوقت موطنًا لقِلة من المسلمين. وعندما طلب هؤلاء الوافدون الجدد المساعدة على إنشاء مسجد لهم، عقد مركز ليبرتاس اجتماعًا للقيادات الدينية والمجتمعية لمناقشة الطلب.

تابع دزيوبانسكي حديثه ذاكرًا تفاصيل ما حدث: "كان من المثير للاهتمام رؤية العديد من القيادات الدينية المسيحية ترغب في منحهم الإذن في بناء مسجد، فلقد تذكروا جميعًا الأوقات التي حكمتهم فيها الشيوعية ومنعتهم من إقامة كنائسَ للصلاة فيها بأوكرانيا. ثم قالوا: (إن هؤلاء الناس اليوم يحتاجون إلى المساعدة، فما الذي يمنعنا من منحهم إياها؟)، وهكذا وافقنا جميعًا على الطلب".

ثم افتُتح المركز الثقافي الإسلامي في لفيف عام 2015. وقتذاك، وقف قرابة 200 شخص، ومنهم دزيوبانسكي وممثلون آخرون للكنيسة الكاثوليكية اليونانية الأوكرانية والطوائف البروتستانتية، وقفةً تضامنية مع فتح المبنى أبوابَه في الشارع نفسه الذي توجد فيه كنائسُ مسيحية عدة.

الصورة بعدسة أولينا بوليشوك

وواصل مركز مساعدة النازحين من القرم على إيجاد منازلَ للسكن وفرص عمل والتكيف مع الحياة في لفيف. وبصفته مستشار العمدة للقضايا الدينية، ساعد دزيوبانسكي حديثًا على تخصيص مكان للمسلمين ليدفنوا موتاهم فيه وَفقًا لتعاليم دينهم. ولقد شجعت جهودٌ كهذه سكان لفيف المحليين والوافدين الجدد على التفاعل وإيجاد أرضية مشتركة.

وفي مؤتمر عُقد حديثًا بشأن الهجرة، طلب أسقف مسيحي من أحد الأئمة المسلمين أن يدعو اللهَ بدعاء ما، وأن يبارك الاجتماع. وصف دزيوبانسكي ما جرى بقوله: "تلا الإمام مباركتَه باللغة العربية. لقد كان ذلك أمرًا ثوريًّا لم يألفه الناس من قبلُ هناك. وقد قالوا في قرارة أنفسهم: إن كان الأسقف قد قبِل تلك المباركة من الإمام، فلم لا نقبَلها نحن بدورنا أيضًا".

ثم إن عمل مركز ليبرتاس يمتد إلى ما هو أبعد من إعادة التوطين. فمنذ افتتاحه في عام 2013، استضاف مركز الحوار بين أتباع الأديان والطوائف هذا ما يزيد على 40 حوارًا مسكونيًّا وحوارًا بين أتباع الأديان، ومنها مؤتمرات وندوات ومحاضرات ومشاريعُ اجتماعية ضمت أكثر من 5000 عضو وقيادات من مختلف الأديان في لفيف وفي شتى أنحاء أوكرانيا. وقال دزيوبانسكي إن ليبرتاس هو أول منصة أوكرانية محايدة للعمل بين أتباع الأديان، وإضافة إلى ساحة الحوار بين أتباع الأديان والطوائف طال انتظارها. ثم أردف قائلًا: "قبل إنشاء المركز، لاحظتُ أنه عندما كانت إحدى الطوائف الدينية تنظم حدثًا ما، لم يكن أتباع الطوائف الأخرى يحضرون. وبتأسيس مركز ليبرتاس منصةً محايدة لا تمثل ديانة بعينها، فقد منحنا حرية أكبر في التطرق إلى موضوعات كان يصعب على الطوائف الدينية استكشافها، ومنها الفساد والأخبار الزائفة والجنس وحقوق المنتكسين نوعيًّا".

الصورة بعدسة أولينا بوليشوك

إن تاراس دزيوبانسكي -بطل قصتنا هذه- ينتمي إلى الكنيسة الكاثوليكية اليونانية الأوكرانية، ويُدرس لاهوت الحوار بين أتباع الأديان في الجامعة الكاثوليكية الأوكرانية في لفيف، المدينة التي ولد ونشأ فيها ثم التحق بمدرسة ريفية خارجها. تابع دزيوبانسكي الحديث فقال: "إن اهتمامي بالدين ولد في الريف. وفي ذلك الحين، كانت أوكرانيا ما تزال جزءًا من الاتحاد السوفييتي، لكن الدين اضطلع بدور مهم في حياة الناس في القرى والأرياف. ولقد كانت البلادُ شيوعية والدينُ مقموعًا، لكن الكثير من الناس التزموا زيارةَ الكنائس باستمرار".

ثم قرر الانضمام إلى أحد معاهد اللاهوت عندما بلغ سن الرشد، وفي نهاية المطاف نال درجة الدكتوراه في اللاهوت والحوار بين أتباع الأديان من جامعة القديس توما الأكويني البابوية في روما. حدثنا بتجرِبته فقال: "بدأ التزامي الحوارَ بين أتباع الأديان حين سمعت أول مرة حاخامًا يتحدث في جامعتي. فلقد كانت جامعة القديس توما الأكويني محافظة للغاية، غير أني ذهبت إلى مؤتمر يتحدث فيه أحد الحاخامين بالجذور اليهودية للديانة المسيحية. لقد دَهشَني حديثُه! فالمسيح عليه السلام كان يهوديًّا، ومريم البتول عليها السلام كانت يهودية، والحَواريون كانوا يهودًا! وعلى هذا، أدركت أنني بحاجة إلى دراسة الإنجيل من وجهة النظر اليهودية، وليس من المنظور الكاثوليكي فقط. لقد كان الاستماع إلى ذلك الحاخام تنويرًا وإلهامًا بحق". ثم بات وضع الدراسات الحوارية تلك موضع التطبيق الشغلَ الشاغل لدزيوبانسكي في الحياة وتحديًا خاصًّا في أوكرانيا. 

الصورة بعدسة أولينا بوليشوك

بعد ذلك، ومع احتدام حروب المعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح تحقيق تلك الغاية صعبًا جدًّا، وبخاصة فيما يتصل بالسياسة الأوكرانية. أما بشأن مركز ليبرتاس، فقد عالج الحالة غير المستقرة مباشرة بوساطة مدرسة الصحافة المشتركة بين أتباع الأديان التابعة له، التي تدرب الصحفيين على تعزيز الحوار ومكافحة الدعاية المغرضة. وأخيرًا، تكلل الجهد بالنجاح عام 2018؛ إذ حصل المشروع على جائزة الإنجاز للحوار بين أتباع الثقافات من الوزارة النمساوية الاتحادية للشؤون الأوروبية والاندماج والشؤون الخارجية.

وبالمثل، كرَّس المركز الكثير من عمله في الأشهر القليلة الماضية لمعالجة الصراع والاضطرابات، والعمل على تضميد جراح المجتمعات التي تأثرت بالعنف. وحديثًا، تواصلت المنظمة مع الأطفال الأرثوذكس والكاثوليك الذين فقدوا آبائهم في الصراع المسلح الدائر شرق أوكرانيا.

قال دزيوبانسكي: "أحضرنا مجموعة ضمت زهاء 30 طفلًا وأمهاتِهم إلى دير أرثوذكسي أوكراني، وأحضرنا كذلك أطباء نفسيين ومرشدين اجتماعيين وقيادات روحية للحديث بخسارة آبائهم وأزواجهنَّ". ثم أضاف: "إن الأوكرانيين لا يرغبون عادة في التحدث بمشكلاتهم علنًا، ولكن عندما جعلنا هؤلاء النسوة الأرامل يتحدثن إلى طبيب نفسي بشأن خسارتهنَّ أزواجهنَّ، فاضت أعينهنَّ بالدمع ألمًا. ثم إنهنَّ شكرن لنا هذا العمل من صميم قلوبهنَّ، الذي جمع بعضهنَّ ببعض، وجمعهنَّ مع القيادات الدينية التي حاولت التخفيف من حدة الألم في الوقت العصيب الذي يعشنه حاليًّا".

وفي ختام الحديث نقول: إن التزام مركز ليبرتاس الحوارَ بين أتباع الأديان والطوائف كان فعَّالًا جدًّا في وقت تتصاعد فيه حدة التوترات وتتعمق الانقسامات بشأن السياسة. وأنهى دزيوبانسكي حديثه قائلًا: "انتشر انعدام الثقة بين الناس هنا بعد الشيوعية انتشارًا كبيرًا للغاية، لذلك عندما أنظم الاجتماعات بين أتباع الأديان والطوائف في مركزنا هذا، يتساءل الناس عن نيَّاتي وعمَّا أرمي إليه. والواقع أن كسر هذا النمط من انعدام الثقة وبناء الثقة داخل المجتمع لهُو أمر أعمل بكل ما أوتيت من قوة على تنفيذه في أوكرانيا بلدي الحبيب".

تاراس دزيوبانسكي هو أحد أبطال الحوار المميزين في مركز الحوار العالمي، انقر هنا لمعرفة المزيد عن أبطال وبطلات الحوار.

قصص ذات صلة

Europe
إنَّ أفضل أشكال المساعدة الإنسانية هي تلك التي تكون وجهًا لوجه، حيث التعاطف مع الناس عبر النظر إلى عيونهم أو الأخذ بأيديهم...Read more
School children in Abuja, Nigeria at the Pigba internally displaced persons (IDPs) camp. Photo: Godwin Oisi
Europe
شهد العالم في عام 2021 أحداثًا وصعوبات جمة كان أبرزها جائحة كوفيد-19، التي ألقت بظلالها السلبية على حياتنا الشخصية والمهنية...Read more
Europe
تناميٌ في خطاب الكراهية، جوٌّ مشحونٌ بالاستقطاب، عزلةٌ وانعدامُ ثقةٍ أذكت نارها جائحة كوفيد-19، جيرانٌ باتوا يجهلون أسماء...Read more