Loading...
05 مارس 2020
Photo by Nataly Dauer

ولدت أغنيت هولم لوالدَين دنماركيَّين مسيحيَّين يعملان مبشرَين خارج البلاد، وهذا ما جعلها تمضي جُل طفولتها خارج موطنها الأصلي. وهي تعزو ارتياحها للتنوع الثقافي وشغفَها بالحوار بين أتباع الأديان إلى مائدة الغداء في مدرستها الابتدائية باليابان. استهلت أغنيت حديثها بالقول: "انتسبت إلى مدرسة دولية مع طلاب من 37 دولة. وهناك، كان بعض الأطفال يأكلون الأرز وقت الغداء، وبعضهم يأكل شطائر زبدة الفول السوداني والهُلام. ذلك المشهد جعلني أتصور أن التنوع أمر طبيعي".

وعندما بلغتْ سن الثالثة عشْرة، انتقلت أغنيت وعائلتُها للعيش في قرية صغيرة على الساحل الغربي للدنمارك، وهناك تفجرت ينابيع شغفها بالبحث عن التميز دوليًّا. تابعت الحديث فقالت: "كان الجميع متشابهين؛ أكلوا الطعام نفسَه وارتدوا الملابس ذاتَها وأثاثهم من نوع واحد. لم يكن هنالك مجال للتميز، لذا لم أستطع احتمال الأمر ببساطة، وشعرت بالغيظ والغربة والبؤس".

لقد تاقت نفسُها إلى التنوع في باكورة شبابها، لذلك ادخرت مالًا يكفيها للسفر مرة أخرى إلى آسيا بعد إنهاء دراستها الثانوية. ثم إنها عمَّقت مشاركاتها في الحوار بين أتباع الأديان طيلة الأعوام القليلة اللاحقة انطلاقًا من العيش في معابد هندوسية، ودراسة الروحانية، والسفر في مختلف أنحاء المنطقة، ثم الحصول أخيرًا على شهادة البكالوريوس ودرجة الماجستير في اللاهوت.

الصورة بعدسة ناتالي داور

وبعد أن أنهت دراستها، طلبت منها الجمعية الخيرية التبشيرية الدنماركية، التي عمل فيها والداها مبشرَين، الانضمام والمساعدة على إنشاء مركز للحوار في جنوب الهند. وافقت على الطلب، وهي الآن تعمل كبيرَ مستشاري الحوار بين أتباع الأديان واللاهوت.

إن الجمعية الخيرية الدنماركية تلك قد سهَّلت الحوار بين أتباع الأديان والثقافات لتحقيق التفاهم المتبادل والحد من الصراعات في مختلف أنحاء العالم. وتقع على عاتق أغنيت مسؤولية تنفيذ المشاريع في الشرق الأوسط وآسيا، كما أنها عُينت راعية لإحدى أبرشيات الكنيسة الإنجيلية اللوثرية الوطنية في الدنمارك، وتؤدي بين أوان وآخر خدماتٍ في كنيسة روح القدُس التاريخية في كوبنهاجن. أضافت أغنيت: "إن لاهوتي شامل وتعدُّدي. وكوني راعيةَ أبرشية لا يتناقض مع العمل والعيش والإيمان بالحوار بين أتباع الأديان، بل هما وجهان لعملة واحدة من وجهة نظري الخاصة".

وبالفعل، فقد وضعت أغنيت فلسفتها هذه موضع التطبيق على مدى 15 سنة متعاقبة في دير جبلي في لبنان؛ إذ إنها تنظم مخيم الحوار والتعليم الدولي (IDEC) وتيسره، وهو مشروع مشترك بين الجمعية الخيرية التبشيرية الدنماركية ومنتدى التنمية والثقافة والحوار. وفي كل عام، يضم المخيم قرابة 30 شابًا مختلفي المشارب والأهواء والديانات من الدنمارك والشرق الأوسط لتحسين حوارهم الديني والثقافي ومهارات تسوية النزاعات.

الصورة بعدسة ناتالي داور

تصور أغنيت المخيمَ على أنه مساحة آمنة تمنح الشباب من مختلف الديانات والخلفيات القدرة على العمل نبذ التحيزات، وإيجاد أرضية مشتركة، والسعي إلى تعزيز التعاون بين أتباع الأديان في بلدانهم الأصلية. ولتحقيق هذه الأغراض، فإن نموذج ورشة العمل في مخيمها ذاك مغاير تمامًا لما هو معروف. شرحت أغنيت جوهر الاختلاف بالقول: "إن معظم مؤتمرات الحوار في الواقع هي خطابات فردية متسلسلة لأشخاص يتحدثون فترة طويلة. أمَّا أنا، ولأني لا أرضى إلا التميز عنوانًا، فقد أردت إلغاء فكرة وضع طاولات نراها عادة تشبه حَدوة الحصان وعليها أزاهير اصطناعية وعلب مناديل ورقية لأتيح مساحة لحوار ديني حقيقي بين الناس".

يتطلب ذلك من الناس دراسة مفاهيمهم الخاطئة، ثم تحسين مهارات الاستماع خاصتهم قبل أن يتمكنوا من بدء الحوار الفعال. فسرت ذلك أغنيت بقولها: "من غير الممكن أن تسعى إلى إقامة علاقة ناجحة مع أشخاص آخرين مالم تكن على استعداد لسبر أغوار ذاتك. فالحوار لا يرمي إلى إقناع الآخرين بأنك على حق، بل هو يتعلق بالتواصل والارتباط وبأن يلهمك جمال ما هو مختلف عنك. إنه هبة، وهو أيضًا دعوة إلى أن يكون لك دور في حياة الآخرين ومشاركتهم، إلا أن ذلك لا ينفي إمكانية أن يكون الحوار محبِطًا أحيانًا".

ومع ذلك الكم الهائل من التنوع الديني والثقافي في المخيم، كان لا بد أن تنشأ التوترات. لكن أغنيت ترى هذا التنوع فرصةً للقضاء على التحيزات، ولقد شهدت تحولًا مذهلًا بين المشاركين الذين عالجوا تلك التوترات بكل انفتاح وأمانة. إحدى القصص التي تحدثنا بها أغنيت هي قصة مشارك شاب سُني لبناني غرس والداه في قلبه كرهَ الشيعة وبُغضَهم، وأخبراه بأنه إن قدم يومًا إلى المنزل بصحبة فتاة شيعية فلسوف يذوق وبال أمره. لكن غيوم الكراهية تلك كُشطت في نهاية المطاف حين التقى سيدة شيعية في المخيم، مخيم الحوار والتعليم الدولي. 

الصورة بعدسة ناتالي داور

روت أغنيت لنا القصة بكلماتها فقالت: "استصحبها لزيارة والديه. وحين وصلا، رحب الوالدان بها بالكلام المعسول والقُبلات، ثم أدار الجميع محادثات ملؤها الود والاحترام. وحين أخبرهم أنها فتاة شيعية، أصابهما الذهول! بعد ذلك أمضيا ساعة من الحديث إلى تلك الفتاة الرائعة، واستطاعا في النهاية تحطيم أسوار التحيز جميعها. ثم جاء دور الشاب وحدثهما بما تعلَّمه في المخيم، وقال ببساطة إنه لم يعد يريد أن يكره أحدًا. ولقد تقبَّل والداه ما رمى إليه بصدر رحب، ثم أخبراه بقدرته على الزواج بأي فتاة أراد. لقد كان تغيُّرًا لا يمكن وصفه!".

بعد انتهاء المخيم، يواصل العديد من المشاركين رحلاتهم الحوارية مدة طويلة، إما ببث الروح في حيواتهم ومهنِهم بالدروس المستفادة، أو بسلوك مسارات جديدة كليًّا. ومن الأمثلة لذلك شاب سوري أنشأ بعد مشاركته في المخيم منظمة جديدة للحوار بين أتباع الأديان، وأدرج أيضًا العديدُ من قادة الكشافة السوريين الدروس المستقاة من الحوار في اجتماعاتهم مع فرقهم. كما تشرف حاليًّا على مخيمات للحوار بين أتباع الأديان الشباب امرأة مصرية حضرت المخيم دون أن يكون لها من قبلُ أي تجربة حوار ديني. قالت أغنيت تصف أثر ذلك في نفسها: "لقد جعلني هؤلاء الشباب أكثر تواضعًا. ففي البدء، ظننت أنني أقدر على تعليمهم الكثير، لكنني أضحيت أدرك الآن أن التغيير الأكبر يأتي من استماع بعضنا إلى بعض، وطرح الأسئلة المناسبة، والرد عليها بكل إنسانية".

الصورة بعدسة ناتالي داور

ولمساعدة المشاركين السابقين وعامة الناس على نشر تلك الدروس، أنشأت أغنيت على شبكة الإنترنت مجموعة أدوات الحوار المجانية التابعة للجمعية الخيرية التبشيرية الدنماركية، التي تضم أكثر من 40 تمرينًا ومقاطع مصورة ومقالات يمكن للمستخدمين دمجها في تصميم ورش عمل حوارية لمجتمعاتهم المحلية وتيسيرها. ولقد حمَّل مئات الأشخاص تمارين مجموعة الأدوات هذه منذ إطلاق المنصة عام 2018. وفي ختام قصتها، أملت أغنيت أن تعمل مجموعة أدواتها على إيجاد المزيد من مخيمات الحوار، وعلى تشجيع الميسرين المستقبليين على تجرِبة أساليب مختلفة تناسب سياقات مجتمعاتهم واحتياجاتها. أنهت أغنيت رحلتنا الممتعة معها فقالت: "إن الحوار لا يُعنى بتبادل المعرفة، إنما هو فتح القلب لكي يعيش الآخرون في سويدائه. وعليه، يتعين علينا أولًا القيام بالعمل بأنفسنا. وأنا هنا لمساعدة الناس على الارتباط مع بعضهم بعضًا بسهولة أكبر، ونشر الحب فيما بينهم، والبحث عن أماكن يقدرون فيها على التحدث بحرية، إن أمكن ذلك".     

أغنيت هولم هي إحدى بطلات الحوار المميزيات في مركز الحوار العالمي، انقر هنا لمعرفة المزيد عن أبطال وبطلات الحوار.

الكلمات الرئيسية

قصص ذات صلة

Europe
تناميٌ في خطاب الكراهية، جوٌّ مشحونٌ بالاستقطاب، عزلةٌ وانعدامُ ثقةٍ أذكت نارها جائحة كوفيد-19، جيرانٌ باتوا يجهلون أسماء...Read more
Europe
اعترافًا بعام يشوبه تصاعد كره الأجانب وخطاب الكراهية، سيركز اليوم العالمي للاجئين هذا العام على ضرورة إدماج اللاجئين...Read more
Europe
عندما تلقى القس الدكتور ريتشارد سودوورث لقاح " كوفيد-19 " أو ما يدعى " jab "، قال إنه كان أكثر من إجراء طبي، لقد كان حدثًا...Read more